الرئيسية » آراء و كتّاب » التحديات الديموغرافية لدى الشباب العربي
التحديات الديموغرافية لدى الشباب العربي

التحديات الديموغرافية لدى الشباب العربي

يشهد العالم العربي تحديات ديموغرافية عديدة تتراوح بين الفترة الشبابية التي تسود معظم المجتمعات العربية حاليا، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العديد من الشرائح العمرية خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفساد.
والارتباط عميق بين الترابط بين قضايا الشباب وأزمات المجتمع في العالم العربي، ويكمن الداء في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة التي تنعكس على جيل الشباب، فتخلق النسخة الخاصة به من هذه المشكلات، وما يتولد عنها من ردود أفعال حادة أو سلبية.
الحجم الديموغرافي للشباب في المجتمعات العربية:
وصلت نسبة الشباب في العالم العربي في عام 1985 من سن 15 – 24 إلى 20.5% من إجمالي السكان، أي ما يعادل 37 مليون شاب من أصل 180 مليون نسمة. كما وصلت نسبة من هم دون الثلاثين إلى 67%، ووفقا لتقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (الشباب العربي يخططون للأهداف الإنمائية، 2006، ص 9)، فإنه وبعد أكثر من عشرين عاما، تضاعفت أعداد الشباب، ليشكلوا القطاع الأكبر من السكان في المنطقة العربية. فالشباب العربي الذى يقع ضمن الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة تقارب معدلاتهم 20% كما في بعض الدول (اليمن، ومصر، والعراق، ولبنان، والمغرب، وعمان، والسودان، وسوريا، وتونس، والأردن، والجزائر، والسعودية). ولكن بعض الإحصاءات تأخذ معيارا عمريا واسعا لتحديد الشباب بحيث يضم معهم قطاعات واسعة من الأطفال والمراهقين، مما يرفع نسبة الشباب وحجمهم إلى أكثر من خمسين في المائة، وبهذا المعيار، فإن الشباب في مصر على سبيل المثال يمثلون أكثر من نصف تعداد السكان (56.6%)، وفي المغرب نحو 60%، وفى السعودية نحو 60%، والشباب والأطفال الذين يشكلون نحو نصف سكان مصر بهذا المفهوم الواسع بينهم نحو 18 مليونا في مراحل التعليم، ومثلهم في سن العمل، أي أن الشباب في العالم العربي لا يقل عن مائة مليون شاب على الأقل، نحن إذاً أمام الملايين من الشباب يتوقون إلى الأداء السريع وإحراز النتائج الفعالة، أي أن الاستغلال الجيد لطاقاتهم يمكن أن يخرج عالمنا العربي مما يعانيه من سيادة تقاليد قبلية وفئوية وطائفية خانقة، وتخلف وفساد في العديد من البنى السياسية والاجتماعية.
العولمة وقضايا الشباب العربي:
لقد طالت العولمة كظاهرة متعددة الوجوه الشباب في كافة الدول العربية، حيث شبوا على مفردات جديدة تختلف اختلافا كبيرا عما شبت عليه الأجيال السابقة. فالجيل الجديد هو الأسبق بالتعاطي مع العولمة وأدواتها، والكمبيوتر والإنترنت وشبكات المعلومات المعقدة أصبحت في متناول أيدى الشباب في سهولة ويسر، بينما تعتبر هذه الأشياء بالنسبة للأجيال الأكبر سنا معضلة صعبة الحل. كما أن أنماط المعيشة التي تطرحها (العولمة) من مأكل ومشرب وعادات ثقافية موجهة بالدرجة الأولى لأجيال الشباب، لأنهم الأقدر على الاستجابة والتقبل السريع لأى مفاهيم جديدة خارجة عن المألوف، خاصة إذا كانت تقدم لهم بوسائل باهرة، وبطرق تقنية تؤثر في نفوسهم.
إن ثورة المعلومات وتراكمها جعلا هذا الجيل الشاب يستفيد من إنجازاتها دون حاجة إلى انتظار تراكم الخبرة الحياتية. كما أن الشباب أصبح يمثل القوة الاستهلاكية المؤثرة، وهم يضعون في هذه السوق مداخيلهم المبكرة من سوق العمل في نوعية جديدة وغير تقليدية من البضائع. وقد أصبحوا يمثلون المستهلك الخفي الذى يوجه احتياجات الأسرة، ويفرض رغباته في المأكل والملبس ونوعية السيارة ومكان الإجازة.
وتظهر تداعيات العولمة على الشباب العربي في أبعاد اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية. وفى حين ظهرت التداعيات الثقافية والاقتصادية للعولمة سريعا، فلا تزال التداعيات الاجتماعية والسياسية آخذة في التبلور. وينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن العولمة اقتحمت المجال الثقافي والاجتماعي العربي دون وجود آليات حماية واستيعاب كافية، مما شكل تهديدا مباشرا للثقافة العربية. وانعكس ذلك بصورة مباشرة على تغيير قيم وعادات وتقاليد الشباب تحديدا، وعلى إنتاجهم اللغوي والفكري والفني، الأمر الذى أصبح يثير قلق وانزعاج مؤسسات التنشئة التي ترى في ثقافة العولمة تهديدا مباشرا لهوية الشباب وانتمائه، ويتعالى التحدي مع انخفاض المستوى التعليمي والاقتصادي. وتظهر الآثار الثقافية للعولمة فى عدة صور، فنراها بادية في العواصم العربية الكبرى في نوع الموسيقى، والأزياء، وأدوات التكنولوجيا الحديثة، والتمرد على التقليدي والقديم. بينما تختلف ملامحها تماما في المناطق التي يعانى شبابها من بطالة مزمنة، أو الذى يعمل في مهن هامشية وخدمية قاسية، ساعيا لتوفير الحدود الدنيا من احتياجاته اليومية.
وفى الحقيقة، فإن العولمة تعتبر بمثابة فرصة عظيمة للشباب العربي، خصوصا في عدد من المجالات، مثل الإعلام، والتواصل مع الآخر، وظهور صور جديدة من المشاركة والتوظيف السياسي. وبينما كانت تداعيات العولمة عاملا مؤرقا، فإن الإعلام كآلية أساسية اعتمدتها العولمة شكل مزيجا من التحدي والفرصة. تحد للحكومات، متمثلا في التغيير السريع الذى طال المجتمعات العربية بسبب تدفق المعلومات والمواد الإعلامية، كما أنه تحد للشباب ذاته، الذى اكتشف بعد فترة من الإبحار في عالم الاتصالات أنه معلق بين عالمين، أحدهما واقعي، والآخر افتراضي.
كما تمثل العولمة فرصة للشباب للتعبير عن ذاته في ظل محاصرته بظروف مجتمعية ضاغطة، وهى فرصة أيضا للتعرف على ثقافات وخبرات أخرى. وسواء كانت العولمة فرصة أو تحديا أو كليهما معا، فإن إتقان الشباب العربي لتكنولوجيا العولمة هو الوسيلة المثلى لمواجهتها، والاستفادة عوضا عن التضرر منها، فالتكنولوجيا هي أداة فاعلة للارتقاء بقدرات الشباب العربي، وهو ما يمكن التعبير عنه بحق الشباب العربي في إزالة الأمية التكنولوجية. وفى المقابل، تعمقت مشكلة الانشطار الثقافي في صفوف جيل الشباب. فالتداعيات الثقافية السلبية للعولمة شديدة العمق أيضا، وتتجلى أبسط مظاهرها في تغير نظام القيم لدى بعض الفئات وتذبذبه لدى فئات أخرى. وقد أثرت التداعيات الاجتماعية على الشباب والأسرة العربية، التي يعكس حالها حال الدولة من حيث ارتباكها وتعثرها في إيجاد صيغة مناسبة لمدخل لم تمسك به بعد.
ويلاحظ أن انبهار الشباب بالإعلام العابر للحدود، وتدفق المعلومات العالمية، والشفافية البادية في قنوات الاتصال، يواجهه شعور بالإحباط وقنوط الشباب ويأسه من الأنظمة السياسية، ومن غياب الشفافية. وينبهر بعض الشباب العربي بوسائل الإعلام العالمية، لأنها تتيح له التمرد على القيود الأبوية عبر اطلاعه على الممنوعات التقليدية، كما سمحت وسائل الإعلام للشباب بقدر من حرية التعبير وبممارسة حق الاختيار، وتمد وسائل الإعلام الشباب بقدر متنوع من الأفكار والحقائق، وتساعدهم على التفاعل مع المجتمعات والثقافات الأخرى، التي بقدر ما تفيد الشباب فإنها يمكن أن تربكه وتتركه معلقا بين عالمين، أحدهما محلي والآخر دولي.
الشباب العربي بين البطالة والفقر:
تعد البطالة هي واحدة من القنوات الرئيسية المؤدية للفقر، حيث تحاصر البطالة الشباب في مرحلة يتطلع فيها إلى الاستقلال النسبي والزواج. وبحسب تقرير منظمة العمل الدولية ILO لعام 2010، يبلغ معدل البطالة السنوية في العالم العربي أكثر من 17%، أي أنها الأعلى عالميا. وقد تزداد وطأة البطالة العربية بين الشباب بسبب اقترانها بضعف الإنتاج وهبوط القيمة الفعلية للأجور، ودخول 2.5 مليون شاب سنويا إلى سوق العمل، وتشير بعض التقديرات إلى أن هناك نحو أكثر من 15مليون شاب عربي يعانون من البطالة.
وبرغم شيوع البطالة في كافة الدول العربية، فإن أسبابها تختلف، ففي الدول الخليجية البترولية، تفضل المؤسسات الاقتصادية العمالة الوافدة رخيصة الأجر والتكلفة، بينما كانت سياسة الخصخصة وبرامج التكيف الهيكلي في مجموعة أخرى من الدول العربية سببا في توسيع رقعة البطالة فيها. وبينما كان يفترض أن تتيح العولمة بآلياتها الاقتصادية أسواقا جديدة للعمل أمام الشباب العربي، فإن تحول الأسواق العربية إلى أسواق مستهلكة، بعد إغراقها بالسلع المستوردة، قد أدى إلى تراجع ما راهن عليه الكثير من المراقبين بانفتاح أسواق عمل عالمية أمام شباب المنطقة. كما استبعدت العولمة الشباب الأقل حظا في التعليم والصحة من دوائر الإنتاج والدخل، ومن ثم ارتفعت معدلات الفقر بكافة أنواعه. واقتصر الإدماج في السوق العالمي عبر آليات العولمة على فئة محدودة من الشباب، وهى تلك التي تملك مفاتيح العصر الحالي من المعارف والمهارات المناسبة.
ويلاحظ وجود عراقيل مؤسسية أمام عمل الشباب، فأسواق العمل تقليدية وغير قادرة على أداء وظائفها، مما يجعل آليات تداول اليد العاملة في المنطقة ضعيفة. من ناحية أخرى، فإن عدم وجود دعم فعال ومتكامل للمشروعات الصغيرة أسهم في تعدد أنماط البطالة بين الشباب، خاصة في الدول متوسطة الدخل وتلك التي تقع تحت الاحتلال مثل فلسطين أو التي كانت تقع تحت الاحتلال مثل العراق، أو التي عانت من صراعات أهلية طويلة، مثل لبنان، والصومال، والسودان، واليوم كما في سورية واليمن وليبيا…
وقد أدى ذلك إلى ظهور الحركات الاحتجاجية في عدد من الدول العربية. وقد استخدمت هذه الحركات أساليب أقرب للعصيان المدني والاحتجاج السياسي، تعبيرا عن تقييمها السلبى لأداء الحكومات، وعلى الخصوص في مجال تشغيل الشباب، حيث مست البطالة فئات حصلت على شهادات عليا، رغم الحاجة المستمرة في البلاد للأطر العليا من مهندسين وأطباء، ووجود مجالات عديدة لتوظيفهم، وهو ما يطرح سوء تدبير الموارد البشرية. ويؤدى كل ذلك إلى انفجارات اجتماعية، خصوصا بين الفئات الشبابية التي تعجز المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن استيعابها.
ويضاعف من تعمق أزمة البطالة وصعوبات حلها أن الحكومات تستقيل من دورها في تشغيل الشباب، وتلقى بالأمر على عاتق القطاع الخاص، وفي ظل ضعف القطاع الخاص وعدم قدرته على القيام بهذا الدور أيضا، ازدادت حدة مشكلة البطالة بين الشباب، ويتبين عمق المشكلة وحدتها من حقيقة أن الأغلبية الكبرى من المتعطلين عن العمل هم من الشباب، مما يعنى أن الوضع معكوس، فالشباب الذى لديه الطاقة والقدرة لا يعمل، بينما كبار السن هم الذين يعملون، وخطورة هذا الوضع أنه لا يعني إهدار هذه الطاقات والموارد البشرية فقط، ولكن أيضا إمكانية تحولها ضد المجتمع عمدا أو دون قصد من خلال المخدرات والإرهاب والجريمة.
التحديات الاجتماعية والسيكولوجية:
يعد الشباب أكثر قطاعات الأمة تأثرا بما تعانيه الدول العربية من أزمات ومشكلات مستفحلة. فالشباب في العالم العربي يعاني من أزمات اجتماعية حادة تتعلق بالزواج، والعنوسة، والإحباط، والعنف، والاغتراب، وفجوة الأجيال، والبطالة، وفقدان المشروع، والهدف في الحياة، وغياب القدوة، وأزمة القيم، في ظل إغراءات ومحاولات لصرفه عن واقعه إلى عالم أحلام غير واقعي، أو إغراقه في متاهات الجنس، واللهو، والبحث عن المكسب السريع.
ويجد الشباب أنفسهم عاجزين عن العمل لإصلاح أوضاعهم الخاصة أو أوضاع أمتهم، ويقعون في حيرة شديدة بين واقعهم المؤلم ومثالياتهم الشديدة. وفى ظل هذه الأزمات الخانقة، يلجأ بعض الشباب إلى الهرب من واقعهم، ويضعف انتماؤهم وولاؤهم أو يتحول إلى نوع من أنواع الانتماء المرضي يؤدى إلى العنف والإرهاب، وتبرز الكثير من الظواهر الاجتماعية المرضية، مثل المخدرات، والجريمة، واللامبالاة، والسلبية، وينصرف البعض إلى اللهو وتقليد أحدث فنون الموضة، وإشباع الشهوات والغرائز التي تغذيها بعض وسائل الإعلام.
وتزامن ذلك مع تراجع نسبي في دور مؤسسات التنشئة والتربية، مثل الأسرة، والتربية والتعليم، وضعف التأطير السياسي لفئات الشباب، وتنامى مظاهر الأزمة في مستويات علاقة الشباب بالمؤسسات. كما ظهرت تغيرات نوعية في طبيعة الثقافة الشبابية على المستويين المحلي والعالمي، ومن أهم هذه التحديات:
1- التطلع الدائم للهجرة: نشر تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول بعنوان “خلق الفرص للأجيال القادمة” نتائج استطلاع رأى الشباب العربي، والتي تضمنت أن 51% من المراهقين العرب الأكبر سنا، و45% من المراهقين الأصغر يرغبون في الهجرة، معبرين عن عدم رضاهم عن الظروف الراهنة والآفاق المستقبلية المتاحة في أوطانهم.
وتتزايد أعداد الشباب، خاصة المتعلمين منهم، الذين يبحثون عن مجتمعات جديدة تفتح لهم مجالا لتحقيق طموحاتهم، وتلبى رغباتهم وأحلامهم، فامتصت الدول المتقدمة نخبة المتعلمين والطموحين والجادين من شبابنا العرب، ووصلت أعدادهم في بعض الدول إلى عشرات آلاف فيما يعرف بظاهرة نزيف العقول، أو هجرة العقول.
2- اتساع الفجوة بين الأجيال: يعود اتساع الفجوة بين الأجيال لسببين أساسيين هما: تفاوت الإنجاز التعليمي بين الأجيال، واتساع نطاق التعرض للإعلام العالمي، ويجب الحذر من التهاون في فهم وتقدير أهمية التغيرات التي حدثت في الشباب. فشباب هذا الجيل مختلف عن شباب الجيل الماضي، فهم يعيشون في عالم متغير، ويتعاملون كل يوم مع تكنولوجيات جديدة، يمثل الكمبيوتر والإنترنت والمحمول بعض مظاهرها، ويواجهون تدفق المعلومات من إذاعات وفضائيات تأتيهم من كل أركان العالم.
والنتيجة أن شباب هذا الجيل أصبحت له مكونات ثقافية وحضارية مختلفة عن العوامل التي كونت عقول وقيم وسلوك جيل الآباء أو الأجداد. ونتيجة شعور جيل الشباب بأنهم مختلفون عن آبائهم وأجدادهم، تتزايد الفجوة بين الجيلين.
3- أزمة الاغتراب: يعيش الشباب العربي أزمة اغتراب حقيقي، فمواجهة الشباب بالأنظمة البيروقراطية وأنماط السلطة غير الديمقراطية لا تبقيه خارجها فقط، ولكنها تجعل دوره ينحصر في الخضوع لها، والالتزام بقوانينها، مما يشعره بالعجز وعدم القدرة على تحقيق ذاته. والاغتراب هنا هو مرحلة وسطى بين الانسحاب من المجتمع والتمرد عليه. فالشباب يلجأ إلى ثلاثة أنواع من التصرفات: إما الانسحاب من هذا الواقع ورفضه، وإما الخضوع إليه في الوقت الذى يعانى فيه النفور، وإما التمرد على هذا المجتمع ومحاولة تغييره، ولو كان ذلك بقوة السلاح.
تحديات المشاركة السياسية للشباب العربي:
يعاني الواقع العربي الحالي من أزمة عدم التمكين السياسي للشباب، وتتجلى ملامح هذه الأزمة في حيرة مسيطرة على الشباب، وعزلة ألقت بهم بعيدا عن التفاعل الحقيقي مع الأحداث، أضعفت مشاركتهم. وعند ترتيب سلم الأولويات لدى الشباب، يتبين أن قيمة المشاركة السياسية لا تحظى بأهمية كبيرة لدى الشباب في العالم العربي، ولكن هناك أولويات أخرى أكثر إلحاحا وأهمية تتعلق، خصوصا، بفرص العمل وتلبية حاجاته الأساسية. وعلى الرغم من صدق هذه المقولة، إلا أنها يجب ألا تؤخذ على علاتها، فهناك نسبة من الشباب تتراوح بين 5 و8% (تقرير التنمية الإنسانية العربية) تعتبر المشاركة السياسية في قائمة الاهتمامات، وبلغة الأرقام، فإن هذه النسبة تمثل أكثر من 15 و25 مليونا من الشباب العربي الذين يريدون المشاركة السياسية، وتعجز عن استيعابهم المؤسسات السياسية في المجتمع، أو تسهم في طردها، ويلاحظ أنه كلما انتقلنا من جيل الكبار إلى جيل الشباب، يتراجع تقييم الشباب لإيجابيات الأحزاب السياسية وعضويتهم فيها، فالشباب أقل مشاركة من جيل الكبار في المؤسسات التقليدية كالأحزاب وغيرها. ولعل من مظاهر الفجوة بين جيل الشباب وجيل الكبار ما يراه الشباب في جيل الكبار من إصرار على احتكار المناصب القيادية في المجتمع، وما يتصوره الكبار في الشباب من عدم نضج يحول دون حسن توليهم وإدارتهم لهذه المناصب، ودون قدرتهم على اتخاذ قرارات رشيدة.
إن تموج الساحة العربية حاليا بجيل جديد يتفاعل مع السياسة من خارج التنظيمات العقائدية والأحزاب السياسية، حيث ينتمى معظمه إلى جمعيات العمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية. وأصبحت هناك أجندة متعولمة لقطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة، يطرح فيها أفكاره السياسية والثقافية، حيث انتمى لأول مرة إلى جمعيات عابرة للقوميات ومتداخلة مع العالم عبر شبكة المعلومات، والبريد الإلكتروني، والفيس بوك، وحتى بالنسبة للقضايا والهموم العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فقد انبرى قطاع واسع من الشباب باستخدام الوسائل الإلكترونية والإنترنت لمناصرة القضية الفلسطينية، وأصبح من الوارد أن نجد شبابا يكتسبون مهاراتهم السياسية عبر الإنترنت وعبر الحوار الإلكتروني العابر للقارات، وليس عبر الانضمام إلى خلية حزبية أو هيكل تنظيمي.
وفى الواقع، فإن الصور الجديدة تتعايش مع الصور القديمة. وإذا كان التنظيم بمعنى التلقين والحلقات وغيرها قد تراجع، فإن التنظيم والمؤسسية ضروريان للعمل السياسي مع تطوير آليات التثقيف والتواصل بين الأعضاء. وتظهر الدولة نجاحا نسبيا في استيعاب قطاعات نشطة من جيل الشباب لامتلاكها موارد كبيرة للغاية. وفى المقابل، يستمر نشاط التيارات الإسلامية في أوساط الشباب، على الرغم من الحظر القانوني في بعض البلاد، وتتنوع أساليب مشاركتها من صور المشاركة التقليدية من تظاهر، واحتجاج، وتقديم الخدمات، والترشيح للانتخابات، إلى محاولة الاستفادة من وسائل المشاركة الحديثة. ومن أبرز القوى الجديدة جماعات مناهضة العولمة وحقوق الإنسان، والشباب المهتم بالتكنولوجيا. لقد أدت التطورات في تكنولوجيا الاتصال إلى ظهور صور مختلفة من المشاركة السياسية والوعى السياسي للشباب، لأنهم أكثر اهتماما بالتقنية المعلوماتية. لكن هذه الإيجابيات لا تنفى سلبيات هذه العملية من إمكانية التعرض لمخاطر الاختراق لنظام المعلومات القائم بالخدمة من قبل المقترعين، أو تعرضه لفيروس، وعدم الأخذ في الاعتبار الفئات التي لا تستطيع التعامل مع هذه التقنيات.
ويلاحظ أن بداية القرن الحادي والعشرين تشير لظهور جيل سياسي جديد بدت ملامحه في الظهور منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، والعدوان على العراق ولبنان وغزة، والمفارقة الأساسية تتجلى في التباين الواضح بين المشاركة الشبابية الواسعة المساندة للانتفاضة الفلسطينية والعراق، وبين ضعف المشاركة في التصويت في الانتخابات البرلمانية أو الطلابية، نظرا لعدم الثقة في العملية الانتخابية والمؤسسات المعبرة عن الشباب. فالاتحادات الطلابية صارت مجرد ديكور شكلي لا تمارس وظائفها ولا تؤدى أدوارها. أما المظاهرات، فهي مؤقتة بطبيعتها، ولكنها تعكس مشاعر وطنية جارفة تبدو بقوة في لحظات معينة صارت أكثر ارتباطا بموضوع الصراع مع إسرائيل، فعلى سبيل المثال:
إن المظاهرات العفوية التي انطلقت ضد الحرب على العراق ولبنان وفلسطين أشارت إلى دخول لاعب جديد إلى الساحة: فئة الشباب غير المنتمين إلى أي مجموعة سياسية منظمة، والمتعطشين إلى إيجاد صوتهم السياسي المسموع، وقد تحدوا قمع الأجهزة الأمنية وهم يطالبون بالمزيد من العدالة السياسية والاقتصادية في المنطقة، وفضحوا ضحالة القنوات المؤسسية للمشاركة السياسية. إن غياب الوسائل الفاعلة التي تسمح للمواطنين، بالتعبير السلمي عن إرادتهم قد يشكل مساسا بالمواطنين كما يشكل مساسا بالنظام.
التعاطي الرسمي مع قضايا الشباب العربي:
إن تحليل الخطاب السياسي للنخب الحاكمة في الدول العربية يشير إلى إدراك متزايد بخطورة وأهمية قضايا الشباب، ولكن جهودها لا تزال متعثرة، وتواجه الآن مهمة القيام بعمل مضن يتجاوز الشعارات، ويزرع إحساسا صادقا بين المواطنين بالانتماء والتضمين، وتجسد الهيئات الحكومية السياسات العامة الحكومية في مجال الشباب بصورة مباشرة، وتعمل على تنفيذها. وتشكل المجالس الاستشارية نسقا مؤسساتيا في معظم الدول العربية، فهي تتواجد في دول، مثل الجزائر، والمغرب، ومصر، مثل المجلس القومي للشباب في مصر، والمجلس الوطني للشباب والمستقبل بالمغرب. وعلى الرغم من تعدد هذه المؤسسات وتنوعها، إلا أنه كثيرا ما ظهر عدم قدرتها عن استيعاب أعداد كبيرة من الشباب الراغب في المشاركة، لأسباب تتعلق بطبيعة المؤسسة وظروفها الداخلية، أو بسبب طبيعة المناخ السياسي.
ويفترض أن تقوم السياسة العامة للحكومات العربية في مجال الشباب بتوفير التعليم وفرص العمل للشباب، ودعم المشاركة والتنشئة الدينية والاجتماعية المناسبة، والديمقراطية، وتوسيع الاختيارات أمام الشباب. ولكن تحليل السياسة العامة في مجال الشباب يشير إلى وجود الكثير من جوانب الخلل في هذه السياسة، من حيث ازدياد البطالة بين الشباب، وتدنى معدلات المشاركة السياسية، مما يشير إلى إشكاليات حقيقية تواجهها هذه السياسة العامة. وتعاني هذه السياسة في مجال الشباب من عدة مشكلات، أهمها التناقضات، وعدم الثبات المؤسسي، وتنازع الصلاحيات والأدوار، والتركيز على الرياضة، بما يخلق أنماطا من الهوس الكروي غير المحمود، والتوجس من المشاركة السياسية للشباب والطلبة، والانفصال بين الخطاب الرسمي وحقائق الواقع.
يأتي تزايد أعداد الشباب وطموحاتهم، في الوقت الذى يمر فيه المجتمع العربي بتغيرات جذرية عميقة، شملت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفى الحقيقة، فإن قاع المجتمع العربي يمر بتيارات عنيفة من التغيرات. ولعل أكثر المتأثرين بهذه التغيرات المتلاحقة هم الشباب، وهكذا، يتعمق الترابط بين أزمة الشباب والمجتمع، فمشكلات الشباب هي جزء من أزمة المجتمع، والداء يكمن في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة التي تنعكس على جيل الشباب، وما يتولد عنها من ردود أفعال حادة أو هادئة. وبذلك، يقع الشباب تحت ضغط الإحباط والتوقعات التي تحدثها بشكل جزئي مؤثرات الإعلام والتكنولوجيا والديناميكيات في البنى الأسرية.
وفي مواجهة هذا الواقع، تظهر السياسات والمؤسسات عجزا حقيقيا في استيعاب الشباب وحل مشاكلهم، فالمجتمعات العربية لا تزال تفتقر إلى الإرادة والبنية والموارد الملائمة لتنظيم نشاط الشباب، سواء أكان ذلك في صورة تطوعية أم في أنشطة شبابية.
وفي النهاية: فإن تجاهل قضية الشباب في مجتمعاتنا العربية وعدم معالجة ما يلاقيه من قضايا ومشكلات يحولهم إلى مخزن يغرف منه كل من لديه مصلحة خاصة في تجنيدهم واستخدامهم. وفى الحقيقة، فإن هناك ارتباطا لا ينفصم بين قضية الشباب والمستقبل العربي والإسلامي، ومما لا شك فيه أن إمكانية ازدهار العالم العربي اليوم إنما تعتمد على الاستثمار في نجاح الشباب، إذ إن الشباب هم البنية التحتية الصلبة التي يرتكز عليها المستقبل المشرق والناجح للمجتمعات العربية.

تلخيص مقال للكاتب: أحمد تهامي
المصدر: السياسة الدولية

عن مدير الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*