الرئيسية » آراء و كتّاب » التربيــة على قيم المواطنــة
التربيــة على قيم المواطنــة

التربيــة على قيم المواطنــة

يرى الدكتور كمال عبد اللطيف، في كتابه الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت: أن ربط مفردة المواطنة بميدان التربية والتكوين الثقافي والتنشئة المعرفية والاجتماعية يجعلها موصولة بواحدة من المسارات الفاعلة في عملية البحث عن كيفيات توطينها وترسيخ مبادئها وأسسها، ويعتبر أن سؤال التربية على المواطنة يُعد بمثابة مدخل من مداخل التفكير في الإعداد إلى مجتمع حديث وذلك، عن طريق الاستعانة بما توفره آليات التربية ومؤسساتها من وسائل مساعدة في عمليات توسيع وتطوير، ثم تعميم قيم الحداثة في المجتمعات العربية.

ويقترب الكاتب من الإشكال التربوي العربي الموصول به من منظور الفلسفة كما ينشأ ويتطور في خطابات الفاعلين في مشهدنا الاجتماعي والسياسي. فيعمل على متابعة جوانب من منجزاته وإخفاقاته في المجتمعات العربية والتفكير في المدرسة العربية التي ترعى قيم المواطنة وتبنيها بالتدرج المطلوب في مناهج دراستها، وفي مختلف أسلاكها، بما يتطلبه ذلك من تكوين يحترم قيم العقل والتاريخ وتطلعات المجتمع، ولا شك في أن الخيار الذي حدّد نظرنا إلى الموضوع يتطلب أن تنشأ بمحاذاته أعمال ومبادرات جماعية من مختلف جوانب المجتمع في العائلة والإدارة والمقاولة ومختلف جوانب الحياة العامة، لعلنا نتمكن من مغالبة صور التردي القائمة وإسناد مشروع الإصلاح الذي تتطلع إليه فئات واسعة من مكونات المجتمعات العربية.

إن تطور وتبلور مفهوم المواطنة وإطلاق مشروع التربية على قيمها، ومحاولة منحها الدلالة الموصولة بأسئلة الصراع الراهن، ساهم ويساهم في إعداد أرضية فكرية مواكبة للتحولات الجارية والمرتقب حصولها، إن إطلاق مفردة «المواطنة» وأخواتها، من قبل الكرامة والحرية والمساواة داخل فضاء العمل الاجتماعي والمدني العربيين وفي إطار المنتديات الثقافية والجمعوية، التي ارتفعت وتأثر إيقاعها في العمل، في أكثر من قطر عربي، يُنبئ في حد ذاته بميلاد نوى اجتماعية هدفها بلورة مشروع مجتمعي جديد، يتجه إلى تجاوز مظاهر التأخر العربي، ومظاهر الاستبداد السياسي في كثير من الأنظمة العربية.

أولاً: المواطنة، حيث يشكل مفهومها في سياق عمليات ميلاده وتطوره، ما يمكن اعتباره خاصية بنيوية في غالب المفاهيم المركزية الكبرى لأنسجة الحكايات الفلسفية والسياسية، إنه يحيل إلى معان جديدة متعددة ويرتبط بوشائج من القربي مع الواقع والتاريخ. إضافة إلى ما ترتب على مراحل تشكله المتواصله من دلالات لا حصر لها.
ثانياً: ارتبط مفهوم المواطنة في الفلسفة السياسية الحديثة بتصورات معينة للحقوق الإنسانية، تصورات تعلن عنها عدم ارتباطها بالمرجعيات التقليدية. إن الإيحاءات التي حملها منذ بداية تداوله الأول في الفكر اليوناني والمدينة اليونانية تربطه بحق المشاركة؛ ذلك أن مفردة المواطن في التداول اليوناني تشير إلى ما يدلي برأيه في مختلف الشؤون المدنية. وقد استوعبت هذه الدلالة تكوينات تحمل بعض سمات الخصوصية التاريخية اليونانية، وتم تجاوزها عندما أعيد تأسيسها في القرن الثامن عشر وما بعده، وذلك انطلاقاً من نصوص الفلسفة الحديثة وفسلفة الأنوار، حيث تقف على الدلالة التي اكتسبها مفهوم المواطنة في آثار هوبز وجون لوك ومونتسكو وسبينوزا وجان جاك روسو وكانط. كما نقف على المعاني التي أضافتها إليه الثورة الفرنسية ومبادئها وإعلانها حقوق الإنسان.
ضمن هذا السياق النظري والتاريخي الجديد، تشبع مفهوم المواطنة في أصوله الحديثة بالخلفية القانونية، وتم النظر إليه من الزاوية التي تقرنه بجملة من الحقوق والواجبات المدنية، الموصولة بالحريات الفردية والمجتمع المدني، وقد كان ينظر إلى هذه الحقوق كعناصر مركزية للتطور الاجتماعي، فأصبح بناء قيم المواطنة مشدوداً إلى مفاهيم العقد الاجتماعي والدولة الوطنية وقيم التشارك والتداول في السلطة في دولة العقل.
إن أبحاث جور رولز في موضوع العدالة ودراسة كيملك في موضوع التعددية الثقافية اتجهت إلى استيعاب مفهوم المواطنة في إطار التعدد الثقافي، إضافة إلى المناقشات التي تربط اليوم مفهوم المواطنة بالهوية والقيم والمساواة.. وسمحت نتائج هذه الأبحاث مجتمعة في إغناء وترسيخ حقول دلالته، كما ساهمت التطورات التي لحقت بالمجتمع المعاصر بالوقوف على جملة معطيات وخلاصات نظرية منها: على ضرورة التقليل من البعد الإثني والديني من دون نفيهما، وإن رابطة المواطنة لا تنفي في أبعادها الجديدة أصناف الروابط الأخرى الصانعة لنسيج التجمعات البشرية من قبل الروابط الثقافية. ولا يمكن فصل المواطنة عن الديمقراطية وقيمها فهي أساس المجتمع، ويترتب على تشبع المجتمع بالمواطنة وقيمها انتعاش الحس المدني والقيم المدنية الأمر الذي يعزز قيم المساواة والتعاون والتعاضد والتشارك.
ومن المعروف أن أدبيات الإصلاح النهضوي العربية، مرت بثلاث مراحل كبرى: مرحلة الخطاب الإصلاحي الناشئ في القرن التاسع عشر وتمثله أدبيات الطهطاوي وخير الدين التونسي وأديب إسحاق على سبيل المثال، وقد انتجت جهودهم الإصلاحية محاولات هامة منها تكييفها مع متطلبات مشروع الإصلاح والنهضة في المجتمعات العربية خلال القرن التاسع عشر، ثم المرحلة الثانية التي استوعبت أدبيات العقد الثاني من القرن العشرين التي كانت تتغنى بالإصلاح الدستوري مع حس إصلاحي يقبل إمكانية الاستفادة من التجارب التاريخية العامة، للتمكن من تجاوز أعطاب المجتمع العربي السياسية والثقافية، وكان يمثلها بامتياز لطفي السيد في مصر وعلي عبد الرزاق وطه حسين، وتميزت بكفاءة رموزها وممثليها في المواءمة بين مظاهر التأخر السياسي العربي والحلول والخيارات التي بنت النهضة والتقدم في التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر.
أما اليوم، فإن ما نراه من مفردات الجيل الثالث تتسم بسعيها إلى إعادة بناء المفردات المذكورة، في ضوء متطلبات الخصوصية التاريخية والسياسية للمجتمعات العربية، كما تتسم بلورتها لنقلة كيفية في إعادة بناء المشروع الاجتماعي، ومن المعروف أن مؤسسات بحثية وأخرى سياسية تساهم في تركيب وإشاعة المفاهيم المذكورة. الأمر الذي ترتب عليه نوع من التطور في الأدبيات العربية.
إن محصلة المراحل الثلاث باختزال كبير معطيات منها فيما جاء سابقاً ومنها استيعاب الفكر الاجتماعي العربي لبعض مفاهيم الخطاب السياسي، في محاولة لتكييفها وملاءمتها مع أسئلة فكرنا المعاصر.
لا ينبغي أن نتصور البحث في تمثل دلالة المواطنة بمعزل عن العناوين الكبرى لمظاهر التغيير الجارية في مجتمعاتنا اليوم، بل وفي العالم، ذلك أننا معنيون بتحقيق مطالبنا في الإصلاح، ومعنيون في الآن نفسه بالعولمة وتداعياتها في الثقافة والاقتصاد والسياسة، ومعنيون ثالثاً بمعرفة الدور الذي يمارسه تطور وسائل للاتصال الجديدة في نقل المعلومات والمعطيات ولزوم العمل في استيعابها، من أجل الدفع بمكاسبها نحو بناء تصورات تساعدنا في المساهمة في إعادة بناء مجتمعنا مع كل الذين يعملون في الأفق نفسه.

ياسين رفاعية

عن مدير الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*