الرئيسية » بحوث و دراسات » اشكاليات البحث في مجال الشباب ومقترحات مستقبلية -2

اشكاليات البحث في مجال الشباب ومقترحات مستقبلية -2

المنظمات الدولية والاتجاهات الجديدة في الدراسات الشبابية

تتحول المنظمات الدولية والاقليمية الى فاعل اساسي في الدرسات الشبابية. فدورها يتنامي في تحفيز مثل هذه الدراسات في الدول النامية بشكل خاص، هذا عدا عن كونها تتفق في توجهها هذا مع الدول المتقدمة ذات الامكانيات البحثية الكبيرة. وبمعنى ما، فان المنظمات الدولية تتحول الى احد الاقنية التي تلجأ اليها الدول المتقدمة لتوسيع نطاق الدراسات الشبابية عالميا، مع لحظ القضايا والاهتمامات التي تعتبر من وجهة نظرها ذات اولوية كونية. لقد تمكنت المنظمات الدولية من تسليط الضوء على ابعاد ومقاربات معينة في الدراسات الشبابية انطلاقا من نشاطها العام في التنمية والتنمية البشرية. ويشكل اعلان الامم المتحدة عام 1985 سنة عالمية للشباب محطة هامة في هذا السياق. فقد نتج عن ذلك ان وضع عدد من الدول قضايا الشباب على جدول اولوياتها، “كفئة سكانية محددة، وبما هي موضوع او فئة مستهدفة من قبل سياسات خاصة، وكموضوع للبحث.. وقد تكرس هذا التوجه في المؤتمر الثالث لوزراء الشباب في اوروبا المنعقد في البرتغال عام 1991، حيث تم وضع التوجهات الجديدة للدراسات الشبابية. وقد تحولت اوروبا مع الامم المتحدة الى القوة الدافعة الاساسية للاعتراف بالشباب كفئة سكانية لها مساهمات في المجتع والتنمية، بدل التعامل معهم من منظور “مشكلات الشباب” .

ويصعب عزل العوامل التي ادت الى دفع المنظمات الدولية، والمجتمع الدولي عموما، الى اعطاء اهمية متزايدة لقضايا المراهقين والشباب. وما من شك ان الاهتمام المتجذر بقضايا النمو السكاني والتفاوت في الخصائص الديموغرافية، والاهمية العددية الكبيرة لصغار السن والشباب، هي من العوامل المباشرة المؤثرة في ذلك. ففي حين تتجه مجتمعات الشمال نحو الكهولة، فان شعوب البلدان النامية لا تزال فتية حيث تصل نسبة الذي تقل اعمارهم عن 25 سنة الى 50% من السكان واكثر في بعض البلدان. ولا يقتصر اثر ذلك على متطلبات التنمية في الدول النامية نفسها (تعليم وصحة وفرص عمل..الخ) فحسب، بل ان ما يقلق المجتمع الدولي هو الاختلال الكوني في التوازن السكاني بين الشمال والجنوب، خصوصا في ظل الهجرة المتنامية من البلدان الاقل نموا الى الاكثر نموا. من جهة اخرى، فأن بروز مشكلات كونية كبرى، مثل مرض الايدز ومشكلات العنف والتعصب والتطرف وكره الاجانب، في مجتمعات اكثر فاكثر اختلاطا، كان ايضا بمثابة حافز كبير لجعل المراهقين والشباب موضوعا ذا اولوية طاغية من الناحية العملية، نظرا لانهم معنيون اكثر من غيرهم من الفئات السكانية بهذه القضايا التي تنعكس على المجتمع وعلى العالم بأسره.

لقد كان للمنظمات الدولية اهتماماتها والوياتها الخاصة. فمن جهة أولى، تعمل هذه المنظمات كلها لتحقيق غاية مشتركة هي التنمية. ومن جهة ثانية، فان لكل من المنظمات مجال عمل واختصاص محدد. وفي ضوء ذلك نجد عددا من القواسم المشتركة بين المساهمات المختلفة للمنظمات الدولية لجهة التشابه النسبي في وسائل البحث والدراسة، وايضا تشابه لجهة ربط الاهداف الخصة للدراسات الشبابية بهدف اكثر عمومية هو دفع عملية النمو الاقتصادي وتطوير التنمية. اما الاختلافات والتفاوتات، فهي ترتبط عموما بنطاق العمل الخاص بهذه الوكالة الدولية او تلك، او بهذا الهدف او الحملة العالمية الخاصة. وفي التطبيق العملي، يلاحظ ان تناول موضوع المراهقة والشباب من قبل المنظمات الدولية، لم يكن متوافقا في الممارسة مع ما سبقت الاشارة اليه من تحول في اتجاه الدراسات الشبابية منذ عام 1985، والذي عنى الانتقال من التعامل مع مشكلات الشباب، الى التعامل مع الشباب بشكل تكاملي. وما حصل فعليا، هو ان التعامل التكاملي اقتصر على تحديد الشباب كفئة عمرية اجتماعية وعلى دراسة وضعهم من خلال عدد من المؤشرات باستخدام اساليب احصائية، ومن خلال تقييم مساهمتهم في التنمية. الا ان التعامل مع نواحي محددة، سواء كانت مشكلات او ابعاد معينة بقي هو السائد على التعامل التكاملي وعلى اعتبار الشباب انفسهم ودراستهم هدفا بذاته بمعزل عن مساهمتهم في النمو او التنمية. ويمكن تلخيص ابرز اهتمامات المنظمات الدولية في المحاور التالية:

1- محور التعليم: والاهتمام يطال هنا الحق في التعليم، ونوعية التعليم، ومضمون العملية التعليمية، والترابط بين مخرجات التعليم وسوق العمل. ويهتم بهذه المستوى اليونيسف، واليونسكو، وبرنامج الامم المتحدة الانمائي، والبنك الدولي. ولكن يجب الاعتراف ان كل جهة تعطي الاهمية لاحد الابعاد المشار اليها، ونادرا منا نجد مقاربة متكاملة تقارب الموضوع من وجهة نظر التلاميذ والطلاب انفسهم. فمفردات البحث هنا تتراوح بين تأمين المقعد الدراسي، والغاء التمييز في الحصول على الحق في التعليم، وتعميم قيم التسامح وادماج موضوعات معينة في المناهج التعليمية، وصولا الى الربط بين المدرسة وسوق العمل، والتوازن بين الاختصاصات، واستخدام التكنولوجيا…الخ.

2-محور الصحة والصحة الانجابية والثقافة الجنسية: وهي بالدرجة مجال اهتمام صندوق الامم المتحدة للسكان، والمنظمات التي تهتم بتنظيم الاسرة، ومرض نقص المناعة المكتسبة – الايدز. ويطال الاهتمام هنا الجوانب المتعلق بالمعلومات، والسلوكيات، والوصول الى الخدمات، وايضا ببعض الممارسات والعادات ذات البعد الثقافي- الاجتماعي (التمييز بين الجنسين، الزواج المبكر، ختان الاناث..الخ). وغالبا ما تكون مطبوعة بطابع الحملات العالمية في هذه المجال الذي يحتل اهمية كبيرة.

3- محور السلوكيات الخطرة: وهي تتناول بشكل خاص العادات والسلوكيات بين الشباب، ويمكن ان تندرج ايضا في اطار حملات عالمية. وموضوعات الدراسة هنا تشمل: التدخين، استهلاك الكحول، المخدرات، العنف، مخالفة القانون والجنوح…الخ.

4- محور العمل والنشاط الاقتصادي: ويتناول بشكل خاص معدلات النشاط الاقتصادي والبطالة بين الشباب، وعلاقة التعليم بسوق العمل، والتعليم المهني، والمشاريع المنتجة وبرامج الاقراض، واستخدام التكنولوجيات الحديثة في النشاط الاقتصادي للشباب…الخ. ويهتم بهذه المواضيع البنك الدولي، ومنظمة العمل الدولية، والوكالات التي تعمل في مجالات تنمية الصناعة، وتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والشراكة مع القطاع الخاص.

5- المحور الديموغرافي والتنموي العام: ويركز على المؤشرات العامة الخاصة بالشباب ومقارنتها بالمؤشرات العامة للسكان، وهي تشمل جملة المؤشرات التنموية، ولاسيما معدلات الالتحاق المدرسي والامية للفئة العمرية 15-24 سنة، والتمييز الجندري، ونسبة المشاركة في النشاط الاقتصادي، وسن الزواج..الخ. ويمكن ان تتخذ شكل تنفيذ دراسات خاصة بالشباب، او ايراد المؤشرات العامة مفصلة حسب الفئات العمرية. كما يمكن ان تطرح احيانا موضوعات محددة تتعلق بالتقاطع بين الشباب ومسألة محددة مطروحة على النطاق العالمي. على سبيل المثال: الشباب والفقر، او موقع الشباب ودورهم في تنفيذ اهداف الالفية، او الشباب والمشاركة في الحياة العامة، او الشباب والتمييز الجندري…الخ. وفي معظم هذه المسائل، يبدو موضوع الشباب تطبيقا او تفريعا تخصيصا للموضوع الاساسي، اكثر مما يشكل الشباب انفسهم نقطة الانطلاق.

في الممارسة العملية، فان هذه التوجهات السائدة لدى المنظمات الدولية، وخصوصا منظومة الامم المتحدة والبنك الدولي، تتخذ شكل التشجيع على القيام بنوع محدد من الدراسات وتمويلها وتقديم الدعم الفني لتنفيذها. وهي تشكل دون شك اسهاما كبيرا يمكن ان يتقاطع مع توجهات الجهات الوطنية او جهات اقليمية ناشطة في المجال التنموي. وتتخذ اما شكل دراسات قطاعية متخصصة، او شكل دراسات ميدانية اكثر شمولا. ويعتبر مثال المسح العربي لصحة الاسرة حاليا، والدراسة الفرعية عن الشباب في اطار هذه المسح، احد ابرز الامثلة على تفاعل اهتمامات المنظمات الدولية والاقليمية والوطنية، واحد ابرز الامثلة على المقاربة التي تشجع عليها هذه المنظمات، والتي تميل الى اعتماد وسائل احصائية تقليدية، وتميل الى اعطاء الاولوية لموضوعات تقع ضمن نطاق المؤشرات السكانية والصحة الانجابية والسلوكيات المرتبطة بها، بالاضافة الى المؤشرات الاجتماعية العامة التي تغطيها مثل هذه الدراسات الميدانية. في حين ان ادخال وسائل بحث غير تقليدية، من نوع الدراسات النوعية والتي تقوم على المشاركة، هي اقل شيوعا واقل قبولا، وكذلك توسيع نطاق البحث الى جوانب غير تقليدية تطال خيارات الشباب وقيمهم ونظرتهم الى العالم، مع الحرص على ان يجري التعبير عنها من قبل الشباب انفسهم.

زوايا راهنة في تناول قضايا الشباب والمراهقة

لا تغطي الموضوعات المشار اليها كامل مساحة الاهتمام بالشباب. كما أن ما سبقت الاشارة اليه هو من اولويات اهتمام المنظمات الدولية والتي لا تشكل الفاعل الوحيد في مجال الدرسات الشبابية. واذا كانت اهتماماتها تقع ضمن الموضوعات “الحيادية” بمعنى ما، وتهدف بالدرجة الاولى الى توفير قاعدة المعلومات الاساسية التي لا بد منها لأي تحليل لاحق اكثر عمقا وتخصصا، فان الجهات الاخرى المتدخلة او المعنية بالدرسات الشبابية، تسهم في توسيع مجال هذه الدراسات الى مجالات اخرى.

فمع النمو المديني المتسارع، وتزايد البطالة وتفكك نظام العمل المستقر نتجت ايضا مجموعة كاملة من المشكلات الخاصة (بما فيها ظاهرة التهميش والتهميش الذاتي، والرفض، والعنف..)، مما اقتضى توجيها مباشرا للبحث في هذه الجوانب في خدمة اعداد البرامج الحكومية المباشرة او في خدمة وضع استراتجيات تنمية اكثر شمولا ذات صلة بالحرص على توفير الاستقرار الاجتماعي والسياسي والامن في المدن والضواحي وعلى مستوى البلد ككل. وفي الجانب الاخر للعملية الاقتصادية، جانب الاستهلاك، اسهمت الانساق الاقتصادية الاستهلاكية في تعزيز تكون المراهقين والشباب في فئات خاصة من الناحية السلوكية، وذلك من خلال التوجه اليهم كسوق متوسع من المستهلكين لانواع معينة من السلع الخاصة بهم، كالسلع الرياضية، والموسيقية، والملابس، والموضة، والغذاء، والاجهزة الالكترونية، ومنتجات الحاسوب والتقينات والمتقدمة، والاعلام الجماهيري المتعدد الجنسيات (المحطات الفضائية). وما من شك ان القطاع الخاص المنتج للسلع، شديد الاهتمام بالدراسات الشبابية المتعلقة بالاذواق والسلوكيات السائدة بغرض الترويج لمنتجاتهم. وكذلك اهتمام هذا القطاع ووسائل الاعلام بكل انواع استطلاع الرأي ودراسة وسائل التأثير في تكوين السلوكيات الشبابية.

على صعيد آخر، فان تحولات العقدين الاخيرين، ادخلت قضايا الصراع الثقافي والايديولوجي العالمي من الباب العريض في مجال الدراسات الشبابية. فقد برزت اهتمامات مرتبطة بردود الفعل الثقافية على العولمة، وتنامي التيارات التعصبية والانغلاق القومي والعرقي، وتزايد الصدامات واعمال العنف النابعة من كره الاجانب والاحتكاك بين مواطني البلدان المستقبلة للعمالة المهاجرة والعمال المهاجرين..الخ. لذلك تزدهر مؤخرا الدراسات المنطلقة من نظرات “مركزية اوروبية” eurocentrique (واميركية) لفهم ما يعتبر “ثقافات” او حالات اجتماعية “اخرى”. فجرى الاهتمام بدراسة الشباب والمراهقين في روسيا واوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتهديم جدار برلين، وكذلك في الاماكن التي شهدت نزاعات طويلة وعنيفة (البوسنة والهرسك، فلسطين..). ويجري منذ سنوات اهتمام متزايد ايضا بدراسة خصائص الشبان العرب والمسلمين، لاعتبار التواجد المتزايد الاهمية للجاليات العربية في القارتين الاوروبية والاميركية، ولاعتبارات اضافية تتعلق باحداث 11 ايلول وتداعياتها .

وتقع هذه المسائل ايضا في صلب الاهتمامات الاقليمية والوطنية نظرا لتزايد الحاجة للتعرف الى السلوك السياسي للشباب، وخصوصا الذي يتخذ شكلا دينيا، لما له من أثر مباشر على تماسك النسيج السياسي والاجتماعي على الصعيد الوطني، وايضا لما له من تأثير مباشر على العلاقات داخل الجيل الواحد وبين جيل الابناء وجيل الاباء.

في كل ما سبق، نكتشف التداخل الشديد بين الابعاد الكونية، الاقليمية، والوطنية في مجال الدراسات الشبابية. وهو ما يحتم وضع الدراسات الشبابية الوطنية في اطارها الكوني في ظل العولمة الراهنة، التي هي اكثر تأثيرا على الشباب حاضرا ومستقبلا، من الفئات الاجتماعية الاخرى. ويقودنا ذلك الى ضرورة طرح مسألة الخيارات الكبرى، بما فيها الخيارات الثقافية والقيمية، وما يتصل بمجمل التنظيم المجتمعي لمجتعنا الخاص وللعالم، باعتبارها اطارا عاما موضوعيا للدراسات الشبابية. وهذا ليس ترفا معرفيا، بل ضرورة لا بد منها، يؤدي تجاهلها الى اضعاف العمق المعرفي للدراسات الشبابية، وتهميشها العملي، اذ تتحول الى مجرد تقارير مودعة في ادراج بعض النخب، في حين ينظر اليها الشباب انفسهم، والتيارات القوية في صفوفهم باعتبارها كلام خبراء مشبع بالاغتراب عن الواقع. ان التيارات الاكثر انتشارا وفعالية بين الشباب، والاكثر عددا، هي تلك التي تضع قضايا الهوية والانتماء، ومسائل الثقافة والقيم، وتنظيم المجتمع والعالم الجديد، في رأس قائمة اولوياتها. سواء قاربت الموضوع من منطلق الاندماج المطلق وغير المشروط في العولمة وقيمها، او كانت تبحث عن بدائل اكثر انسانية نابعة من دينامية داخلية، او فضلت الانسياق وراء تيارات الرفض الثقافي والانغلاق على الذات…الخ، في كل هذه الحالات فان العالم بكل قضاياه الكبرى يشكل الموضوع المحرك للشباب، رفضا او قبولا، وبالتالي يجب ان تغيب هذه الموضوعات عن الدراسات الشبابية الجادة والموضوعية.

الاطار الكوني والاقليمي للدراسات الشبابية في المجتمعات العربية

لقد طرحت قضايا المراهقة والشباب كموضوعات للبحث وللسياسات في سياق التشكل التاريخي للمجتمع الحديث. ان اشكاليات المراهقة والشباب تحددت وتطورت باعتبارها وثيقة الارتباط بالتحول من المجتمع التقليدي الى مجتمع الحداثة، ثم بالتحولات التي طرأت تدريجيا ولاسيما العولمة وتداعياتها. وغني عن البيان، ان عصور الحداثة (والعولمة) هي في الوقت نفسه عصور الاشكال المختلفة من دورات الهيمنة والتحرر فالهيمنة، وعصور الاشكال المختلفة من العالمية، والتطور المتفاوت على الصعيد العالمي (والوطني). وبالتالي لا بد لحظ جدلية التشابه والاختلاف بين مناطق العالم المختلفة، وداخل كل منطقة ايضا. ان السياق العام للتحليل سوف يتبع المسار الذي يقود من المجتمع التقليدي الى المجتمع الحديث فالعولمة.

فالتحول الاول من المجتمع التقليدي الى المجتمع الحديث شمل مختلف الابعاد: السياسية في نشوء الدولة الحديثة ومفهوم المواطنية، الاقتصادية اذ تم الانتقال من الاقتصاد التقليدي القائم على الزراعة الى اقتصاد صناعي ومجتمع صناعي متمحور حول قيم العمل والانتاج. وترافق ذلك ايضا مع تغييرات جوهرية في بنية العائلة والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والقيم، وادت الى بروز الفرد – المواطن – الانسان باعتباره قيمة قائمة بذاتها، تقوم بينه وبين الدولة والمجتمع علاقة مباشرة يحكمها الدستور والقانون والانتماء الطوعي. ونشوء الفرد بهذا المعنى ظاهرة حديثة، وتحول نوعي في الحضارة البشرية، وثيق الصلة بكل الظاهرات والحركات المربتطة بالشباب.

ويتم هذا التحول في المجتمعات العربية باعتباره واقعا ضمن الدائرة الاوسع للتحول الكوني نحو العولمة. والفرضيتين الرئسيتين هنا هما التاليتين:

1- هناك اختلاف لا بل تعارض بين النموذج المجتمعي الحديث وقيمه، كما اكتمل تدريجيا خلال القرنين الاخيرين (وممهداتهما)، وبين نموذج عصر العولمة النيوليبرالية.

2- ان تحول المجتمعات العربية من المجتع التقليدي الى الحداثة قد اتخذ مسارا خاصا ادى الى اعادة انتاج جديدة للبنى والعلاقات التقليدية ضمن شكل حداثوي خلال العقود السابقة. وهي في وضعها الهجين هذا، تدخل عصر العولمة.

ان التحليل المستند الى هاتين الفرضيتين الابتدائتين المتكاملتين، يتيح لنا فهم اوجه التشابه والاختلاف في وضعية الشباب في مجتمعاتنا نفسها، وبالمقارنة مع المجتمعات الاخرى. كما انه يسمح بالنظر الى العلاقة بين الكونية والخصوصية علاقة موضوعية بعيدة عن الاسقاطات والانغلاق.

لقد شكلت فكرة دولة الرعاية، وقيم العدالة والتضامن الاجتماعي والمواطنة، والتشغيل الكامل والوظائف الثابتة، والتوازن بين الابعاد الاقصادية والاجتماعية في استراتجيات التنمية ..الخ، جوهر نظرة الحداثة الى الدولة و المجتمع. اما النموذج الحالي المعولم فهو يقوم على قيم نقيضة تشدد على الفردانية، واولوية طاغية للجدوى الاقتصادية حيث المال والربح هو القيمة العليا، وعلى تشجيع الميول الاستهلاكية، واعادة انبعاث النزعات الداروينية – الاجتماعية حيث التنافس محتدم، وحيث البقاء للاقوى في آليات السوق العالمية. كما ان هذا النموذج الجديد يروج لتفكيك دولة الرعاية وفكرة التضامن ليحل محلها استقطاب اجتماعي واقتصادي شديد بين الاغنياء والفقراء عالميا ووطنيا، فيتوسع الفقر ويسود منطق الانقسام البسيط الى “رابحين وخاسرين”، واعتبار هذا الانقسام امرا طبيعيا وعاديا. كما يرود للفكرة القائلة ان تغيير وضعية الفرد رهن بقدراته الذاتية ومهاراته فقط دون اي مسؤولية للنظام الاقتصادي او الاجتماعي. ينتج عن هذا التحول النوعي تغيرات كثيرة جدا ومتعددة المستويات تطال الوضع الحالي والتوقعات المستقبلية، بالنسبة لمختلف الفئات السكانية والاجتماعية، وخصوصا للشباب والمراهقين. ويتجلى ذلك في ظاهرات جديدة في اوساط هؤلاء، سواء من حيث الحجم والانتشار، او من حيث النوع، والتي يمكن رصدها بشكل خاص من خلال تجلياتها المتطرفة (كالعنف والجنوح)، وهو امر ناتج عن حساسية المراهقين والشباب الكبيرة ازاء قيم المجتمع وفعالية مؤسساته واحتمالات المستقبل. وبالتالي فان اشكاليات المراهقة والشباب (على الصعيد العالمي، والاقليمي والوطني) ترتبط مباشرة بالاسئلة والتحديات التي يطرحها العالم المعاصر، والتي تختلف عن الاسئلة التي طرحها في المراحل السابقة.

وهنا لا بد من التنبه لبعدي الكونية والخصوصية. فثمة جامع مشترك اساسي يتشكل من اساسين: الاول هو وحدة الانسان في خصائصه الاساسية من النواحي العقلية والنفسية والوجدانية والفيزيولوجية، واشتراك جميع المجتمعات في اساسيات الهياكل المؤسسية وبعض الادوار الرئيسية (العائلة والمدرسة على سبيل التخصيص). اما الاساس الثاني للتشابه، فهو العولمة ونتائجها وآلياتها، التي تشكل اطار عاما وسياقا عاما موحدا لتطور المجتمعات وان كانت تختلف في موقعها من العولمة وفي ردود فعلها عليها. الا ان آليات العولمة قادرة على اختراق الحدود الوطنية، يساعدها في ذلك ثورة الاتصالات ووسائل الاعلام الجماهيرية، بما يمكنها من التأثير او حتى خلق سلوكات ومفاهيم “عابرة للقوميات” في بعض اوساط الشباب والمراهقين، مما يجعل الاشكاليات المعاصرة – في طبعتها الاخيرة – حاضرة كعنصر داخلي في المجتمعات كافة.

ففي دراسة حديثة عن عنف الشباب يركز المؤلف على الابعاد الاجتماعية لعملية التحول، فيعتبر “ان الانتقال من المجمتع الصناعي الى مجتمع الخدمات في ظل سيطرة الاسواق المالية العالمية قد ادى الى توسع انتشار الفقر في صيغته الجديدة على نطاق واسع في العالم في الوقت الذي ينتج فيه هذا العالم المزيد من الثروات. لقد باتت صورة العالم مستقطبة على النحو التالي: من جهة هناك الهلاك الاجتماعي والعار، ومن جهة ثانية هناك الثروة والاستهلاك”. ان اثر هذا التحول، وخصوصا آليات الافقار الجديدة والمتوسعة، تذهب بعيدا جدا وينتج عنه تفكيك فكرة دولة الرعاية، و”ذوبان او انهيار كل نظام الادماج الاجتماعي والضبط الاجتماعي regulation .. (التي كانت سائدة في المجتمع، بما في ذلك) في الاحياء العمالية”.. ففي السابق “كان المصير الفردي والجماعي للفئات الشعبية مترابطا ومندرجا تحت منظور التقدم الاجتماعي المستمر. اما الان فان الشبان يجدون انهم في وضعية يفاوضون فيها منفردين من اجل مستقبلهم في ظروف ليس هناك فيها من ضمانات للترقي الاجتماعي. لاول مرة، فان جيل الشباب الحالي مهدد في ان يحتل مواقع ومراتب اجتماعية ادنى من الجيل السابق: البطالة والاعمال الهامشية غير المستقرة” .

ان البحث المشار اليه يسعى الى فهم ظاهرة العنف المنتشرة بين الشباب والمراهقين في فرنسا المعاصرة، وهو ما قاده الى التمعن في التحولات الاجتماعية والاقتصادية الاكثر شمولا. ولا يتعلق ذلك باستخلاص نظري، بل ايضا هو نتاج دراسات ميدانية بينت ارتباطا ايجابيا بين معدلات الجنوح ومعدلات البطالة، مع تنامي ظاهرات العنف وتركزها في الضواحي المدينية المحرومة. ولذلك ارتباط وثيق بالتحولات الشاملة الى نتجت عن العولمة، بما في ذلك اختلاف القيم الاساسية والباراديجمات paradigmes التي تخيم على نشاط المراهقين (والناس) ومواقفهم وردود فعلهم.

ان العالم المعاصر يمر في طور تحول نوعي يشبه التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية ويوازيها اهمية. ونقصد تحولات من نوع اكتشاف النار او الزراعة في المجتمعات البدائية؛ اونشوء نظام الرق والحضارات المدينية والامبراطوريات الكبرى في التاريخ القديم؛ او الثورة الصناعية ومعها عصر الانوار والحداثة وتشكل الدولة القومية؛ او تشكل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بكل ابعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..الخ. ان العولمة الراهنة، بالمقدمات التي مهدت لها، والاتجاهات التي تحتويها، والمآلات التي تحتملها، هي لجهة شمولها ومداها، مشابهة للتحولات التي سبقت الاشارة اليها، والتي طبعت قرونا بكاملها بطابعها. ان نموذج التنظيم المجتمعي الذي تشكل في اعقاب الحرب العالمية الثانية، على الصعيد الوطني وعلى الصعيد الكوني، هو في مسار تحول نوعي شامل في ظل العولمة الراهنة.

ان فكرة دولة الرعاية، بكل ما تعنيه على صعيد انساق التنظيم المجتمعي والقيمي هي موضوع مراجعة رئيسي. والتحول المشار اليها لا يطال قمة الهرم المتمثل في المؤسسات القيادية في المجتمع فحسب (بما فيها الدولة وادوارها ووظائفها)، بل يطال ايضا مواقف ورؤى الطبقات الاجتماعية التي شكلت الحامل الاجتماعي للمشاريع المجتمعية السابقة. في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، سادت النظرة الداعية الى تعزيز الوظيفة الاجتماعية للدولة باشكال مختلفة في معظم البلدان. وقد تشكل نموذج نظري مثالي، يرتكز الى مثلث مفاهيم مشكل من الدولة القومية كأطار جغرافي – حقوقي- مؤسسي للسيادة الوطنية المتعددة المستويات؛ ومن فكرة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات؛ ومن فكرة المسؤولية الاجتماعية المنطلقة من فكرة العدالة الاجتماعية او التسوية بين العمل ورأس المال. ولقد امكن لهاذا النموذج (او الموديل) للتنظيم المجتمعي ان يتبلور بفضل فكرة – باراديجم اتخذت طابعا ميتولوجيا (بالمعنى المدني) هي الاعتقاد (او الايمان) بالتقدم الاجتماعي باعتباره افقا مرجحا لتطور المجتمعات. هذه النظرة التفاؤلية التي كان لها ما يدعمها في ظروف التقدم العلمي والاجتماعي المتراكم على امتداد عقود طويلة، والتي لم تحل دونها حربان عالميتان، “لعبت هذه الفكرة (التقدم الاجتماعي) دور الموديل المرجعي للهوية، ولعبت دورا توحيديا للمجتمع كونها كانت فكرة مقبولة من المجتمع (الفرنسي). وهي كانت تقوم على القيم الجماعية من نوع العدالة الاجتماعية، والتضامن بين الجميع” .

وهذه الفكرة ليست خاصة على المجتمع الفرنسي (او الاوروبي)، بل قد استبطنتها مجتمعات اخرى، او صاغت افكارا مشابهة لها، سواء في صيغتها الاشتراكية الدولتية كما تجلت في البلدان الاشتراكية (النموذج السوفياتي والصيني)، او كما تجلت ايضا في الصيغ والاشكال التي اتخذتها في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، التي ترواحت بين التأثر بالفكر الاجتماعي والسياسي الاوروبي حيث نقلت معظم البلدان العربية جانبا هاما من هياكل الدولة ومؤسساتها والقوانين، بالاضافة الى بعض الجوانب الثقافية والقيمية؛ والتأثر بالصيغة السوفياتية او بافكار اشتراكية وطنية وقومية؛ او التأثر ايضا بالتراث الديني ومجمل منظومة التقاليد والقيم التي تحتوي ابعادا تكافلية وتضامنية وتقول بالمسؤولية الاجتماعية للدولة او للجهة الحاكمة ايا كانت. وبالتالي فان بعض التحولات الحاصلة في المجتمعات الاوروبية المعاصرة على خلفية العولمة، والآليات التي تمت وفقها والمآلات التي وصلت اليها، تحتوي على بعض عناصر التشابه مع ما يجري في مجتمعاتنا العربية، سواء لجهة المسارات او النتائج، وبالتالي فان لدراستها فائدة معرفية وعملية لا تخفى على الباحث.

ان تفكك دولة الرعاية وتراجع الايمان الراسخ بحتمية التقدم الاجتماعي، ادى الى تحول نوعي في تطلعات الطبقات الوسطى، التي نسبت اليها ادوار ايجابية كثيرة في بناء دولة ومجتمع الحداثة. وبقدر ما كانت هذه الطبقات في الماضي القريب تحمل فكرة التقدم الاجتماعي، فهي اليوم تلتحق بطموحات الطبقات العليا، متخلية عن دورها الاجتماعي كطبقات او فئات اجتماعية تحمل افكارا تحديثية ومشروعا مجتمعيا عاما، الى البحث عن حلول فردية، او فئوية من خلال تشكلات اجتماعية ومهنية على قدر اكبر من التجانس الاجتماعي- الاقتصادي، او المهني، او الثقافي. وعلى هذا الاساس، باتت هذه الفئات تبحث، كما الطبقات العليا، “عن الاستقرار في احياء سكنية راقية، وترفض الاختلاط الاجتماعي في المدارس، وترفض انشاء مناطق للسكن الشعبي في اماكن قريبة من الاحياء التي تقيم فيها. ان ظاهرات الاستقلال او الانعزال الاجتماعي هذه، تبرز جلية على صعيد تكوين المدينة المعاصرة واحيانا على صعيد البلد ككل، وعلى صعيد العالم.

ان فكرة دولة الرعاية تنزلق من كونها متأسسة على مبدأ التضامن بين المواطنين على اساس روابط تقوم على مبدأ الواجب والالتزام واعادة التوزيع بين اشخاص لا يتشابهون، الى صيغة مزدوجة اخرى، تقوم في طرف منها على مبدأ التضامن الانساني ]القريب من مفهوم الاحسان والعمل الخيري التقليدي[ الذي يتدخل للحيلولة دون ان يموت الناس، ويقوم في الطرف اخر على اساس التشابه المبنى على المشاركة – التقاسم بين اشخاص يتشابهون في نظام من التعاضد mutualité المهني ]او ما يشابهه[“ .

وتكتمل الدائرة في الضعف المتزايد الذي طال الفئات الشعبية والفقيرة على اختلافها، من عمال وموظفين وفلاحين والمستقلين من اصحاب الاعمال المتوسطة والصغيرة، وبالتأكيد العاطلين عن العمل والعاملين في اعمال هامشية وغير مستقرة والذين يعيشون في فقر شديد، ولا سيما النساء والاطفال والمراهقين والمسنين. ففي الطرف الاخر لمعادلة الانتاج، لا يتزايد الفقر والاحساس بالعجز ازاء المستقبل وتحدياته وحسب، بل يسود الاحساس بتراجع القدرة على التأثير على مسار الامور، بسبب تراجع دور النقابات العمالية واتحادات الفلاحين، وكافة الاطر المشابهة التي كانت تلعب دورا في تمكين هذه الفئات، وجعلها تشعر بشيء من القدرة على التفاوض والتحكم في مصيرها. ان مراهقي وشباب اليوم المنتمين الى هذه الفئات، يجدون انفسهم امام مشاكل وازمات معقدة ومتفاقمة، ويفتقدون في الوقت نفسه الى الادوات التقليدية التي كانت تسمح للاجيال الى سبقتهم في الانتظام في اطر مهنية ونقابية وسياسية ومحلية يمكن ان تشكل اطرا للتعبير وتحقيق الذات والسعي لتحقيق الطموحات. كما ان هذه الاطر، بما هي اطر تمكينية للاهل العاملين، كانت عنصر توازن في العلاقة بين الاهل والابناء، تعزز دور الاباء في التواصل بين الاجيال، هذا الدور الذي اختل كثيرا عندما يرى الابن والده (ووالدته) بلا حول او قوة في مواجهة النظام المحلي والمعولم. ان الفقر و البطالة يخلخلان موقع الاباء في التواصل بين الاجيال، ويضعفان دورهم، ويخلقان ظروفا جديدة يتحرك المراهق او الشاب فيها، بما في ذلك زيادة تعرضه لمؤثرات من خارج الدائرة العائلية التي تأتي لتحاول سد هذه الثغرة المرجعية الناجمة عن تضاؤل دور الاهل في الاسرة النواتية. وحيث لا توجد حركات ذات قدرة على تجنيد وتأطير الشباب والمراهقين، “فان عالم المؤسسات يتآكل لصالح عالم الشارع” ؛ اما حيث تنوجد فاننا نشهد توسعا في نفوذ هذه الحركات، خصوصا اذا كانت من النوع الديني او من النوع الذي يستند الى ايديولوجيات ذات قدرة على الرواج الشعبي وتتغذى من التقاليد او التاريخ المحلي (قومية، قبلية، طائفية)، ولم تعتبرها العائلة في السابق امرا مرفوضا بالمطلق.

لقد ادى ذلك الى نشوء نماذج ثقافية مختلفة، مع تفاوت في مدى تجاوب الاجيال المختلفة مع كل منها. وبشكل عام، فان جيل الاباء الذي عاش تجارب الستينات والسبعينات من القرن العشرين، لا يزال اكثر تأثرا بما يمكن ان نسميه النموذج الثقافي الصناعي، في حين ان جيل الابناء اكثر تأثرا بما يمكن تستميته بالنموذج القائم على الهوية.

هكذا، لا يجد الباحثون في مجال الدراسات الشبابية في دول العالم مناصا من النظر بعمق الى تحولات المجتمع بكامله على الصعيد الوطني، كما على الصعيد الكوني، لكي يرسموا لانفسهم الاطار المنهجي لدراسة موضوعهم الخاص. ونحن نعتقد انه لا يمكن تجاوز هذه الضرورة في الدراسات الشبابية العربية. ان كل مقاربة لهذا الموضوع باعتباره موضوعا قطاعيا او جزئيا، هو اقرب الى الخطأ المنهجي الفادح. فالشباب هم مختبر بناء المجتمع وعلاقاته وتحولاته، وهم المكان والزمان الذي تتجلى فيه تشوهات المجتمع ومشكلاته على درجة كبيرة من الوضوح. واغفال النظر في صيغة تنظيم المجتمع العالمي والوطني، لا يقع غالبا ضمن باب الخطأ العابر غير المقصود، بل هو يغبر غالبا عن موقف مسبق، في الوعي وفي اللاوعي في آن. وهذا الموقف المسبق قوامه نظرة فوقية الى الشباب وقضاياهم، ومن موقع غير موقعهم، يرى فيهم مشكلة او يرى انهم يعانون من مشكلات، فيقتضي علاجهم كشباب او معالجة مشكلاتهم. ومثل هذه المقاربة تحمل ضمنيا اعتقادا راسخا بأن المشكلة في الشباب وليست في المجتمع نفسه. ولكن غالبا ما يكون العكس صحيحا. وتجنب الولوج في الدراسات الشبابية في البلدان العربية من بابه العريض، انما يعني عدم وجود استعداد كاف من اجل التطوير ومن اجل تغيير ما يفترض تغييره في تننظيم مجتمعاتنا.

يتبع…

عن مدير الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*