الرئيسية » المقالات » الإعلام و قيم المواطنة الضرورات الملحة والتحديات الواقعية
الإعلام و قيم المواطنة الضرورات الملحة والتحديات الواقعية

الإعلام و قيم المواطنة الضرورات الملحة والتحديات الواقعية

د. عبدالله بدران

تعد وسائل الإعلام من أهم العوامل المؤثرة في حياة المجتمعات والأمم، وتكوين فكرها، والتأثير في قيمها وسلوكها وأخلاقها، ذلك أن الإنسان بتكوينه الفطري يحمل استعدادات وإمكانات قابلة للتشكيل النفسي والاجتماعي من خلال المؤثرات المتنوعة المحيطة به.
ويعبر الإعلام – بصورة عامة – عن النظام العام السائد في أي دولة، وعن الأفكار التي تتبناها الجهات القائمة عليه، ولا يمكن لمجتمع إنساني أن يحيا من دونه، كما من الطبيعي أن يتأثر الإعلام والعمل الإعلامي بحقائق المجتمعات التي يعمل فيها، ويعكس ظروفها وواقعها، الأمر الذي أدى إلى تعدد أهدافه ونظمه في كل مجتمع من هذه المجتمعات.
لطالما كانت قيم المواطنة أمرا جامعا بين فئات الناس وتياراتهم الموجودة في الوطن الواحد وعلى التراب نفسه، وهذا ما نشهده في بلدان عدة، وفي الوقت نفسه لطالما حدثت صراعات ونشبت حروب نتيجة الفهم الخاطئ للمواطنة، والتشكيك بالولاء للأوطان، وتشتت الولاءات والانتماءات بين الأعراق والتيارات المختلفة.
كما أن مفهوم المواطنة كان مثار جدل بين الخبراء وصناع القرار ورجال الفكر والدين والمعنيين بموضوعات الهوية والولاء والانتماء – لاسيما في العقود القليلة الماضية – ذلك أن مثل هذه المصطلحات تحمل تعريفات عدة، وتتضمن وجهات نظر متباينة، ورؤى متعددة، وتتطرق إلى تفرعات كثيرة تثير الخلاف بين هذه الشخصيات.
وجرت العادة على أن تكون وسائل الإعلام – على اختلاف أنواعها وتوجهاتها والداعمين لها – حاضرة بقوة في جميع الموضوعات التي تعنى بالرأي العام، ومستثيرة للكثير من الآراء بين مؤيد ومعارض، ومستدعية لتسليط الضوء على جوانبها المختلفة.
ولما كانت الحملات الإعلامية من أهم الوسائل المستخدمة في توجيه الرأي العام نحو قضية معينة، والتأثير فيه بصورة سريعة وفاعلة، فإنه يمكن استخدام هذه الوسيلة بصورة إيجابية في تعزيز قيم المواطنة في المجتمع، أو يمكن في بعض الأحيان استخدامها بصورة سلبية لزعزعة هذه القيم، وتفتيت الهوية الوطنية، و تعزيز قيم التحرر والتفلت من أي قيد يرتبط بالوطن وترابه.
وأثبتت دراسات عدة، وخبرات متراكمة، قدرة الحملات الإعلامية على إحداث التأثير المطلوب منها، وإمكانها تحقيق المهام المنوطة بها، ونجاحها في معظم الأهداف التي وضعت من أجلها، وجدواها في الإقناع والتغيير، لكن ذلك كله منوط بالقيام بتخطيط سليم لمثل هذه الحملات، واتباع الأسس الصحيحة والخطوات العلمية والعملية التي تساعد على نجاحها، وإلا فإن هذه الحملات ستواجه تحديات كبيرة وصعوبات بالغة، ومشكلات جمة، يأتي في مقدمتها عدم اهتمام الجمهور برسائلها، وعدم التجاوب مع شعاراتها، أو عناده وتمسكه بالسلوك القديم وعدم الرغبة في التغيير.
التخطيط والتغيير
ولاشك في أن هذا التخطيط السليم المتميز للحملات الإعلامية، والاعتماد على أسس علمية وعملية سليمة ومدروسة ومنتقاة وفق معايير دقيقة عند تصميمها ووضع أهدافها ومراحلها، يسهمان في بلوغ الغايات التي وضعها القائمون على هذه الحملات والمعنيون بكل خطواتها، ومن ذلك ضرورة إجراء دراسة دقيقة للوضع القائم حاليا وكيف كان في الماضي، وما هي التوقعات المستقبلية المبنية على البحوث والإحصاءات والدراسات.
ومثل هذه الحملات يجب أن يخضع تخطيطها لدراسة مستفيضة للخطوات التي يجب اتباعها للتعرف إلى كل جوانب المواطنة، والمجالات المرتبطة بها، والأهداف المتوخاة من الحملة، والوسائل التي يمكن من خلالها الوصول إلى جمهور هذه الحملة بأيسر الطرق وأسهلها وبخاصة في الحملات الإقناعية التي تهدف إلى تغيير الاتجاهات والسلوكيات، والتي توجه إلى قطاع كبير من الجماهير, وكيفية تصميم مضمون الرسائل الموجهة لجمهور الحملة وأشكالها، و تحديد الجداول الزمنية للحملة، وأساليب التقويم المتبعة، إضافة إلى ضرورة توافر إمكانات مادية كبيرة، ومشاركة جميع الأجهزة الحكومية المعنية ووسائل الإعلام والتعليم والمؤسسات الخاصة وغيرها.
ومادامت الحملات المعنية بتعزيز قيم المواطنة لدى شرائح المجتمع كافة تحمل معاني إنسانية عامة، ومفاهيم أخلاقية حضارية، وتوجهات وطنية مجتمعية نبيلة، فإنه سيكتب لهذه الحملة قدر كبير من النجاح، وستستطيع تحقيق معظم أهدافها إن لم يكن كلها، وتصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور المستهدف.
وعلى الجهات المعنية التي تنسق حملات المواطنة أن تعي أن استمرار أي حملة يرتبط ارتباطا وثيقا بالتخطيط السليم والدراسة الدقيقة لمراحلها ومفاهيمها ورسالتها وشعاراتها. ومادامت حملات المواطنة ترتبط بمفاهيم وطنية مجتمعية دائمة فإن مدة الحملة قد تستمر سنوات عدة، لكن مع مراعاة إجراء تعديل مستمر لشعاراتها، وتطوير مطرد لمحاورها الإعلانية والإعلامية، إضافة إلى وجود نفس إبداعي في كل مرحلة من مراحلها.
وأثبتت التجارب أن مثل هذه الحملات الجماهيرية يجب أن تتوافر لها إمكانات مالية مناسبة لانطلاقتها واستمرارها، ووجود تمويل كاف من جهات مختلفة تضمن عدم تعثرها أو توقفها فجأة، مع إشراك جميع القطاعات المعنية، إضافة إلى الاستعانة بالجمعيات المتخصصة بالعمل التطوعي للاستفادة من خبراتها ومن الكفاءات الموجودة لديها، وهو أمر يسهم إسهاما كبيرا في نجاح الحملة وإعطائها زخما جماهيريا واسعا.
وتسعى حملات تعزيز قيم المواطنة إلى تعزيز هذه القيم لدى الشرائح المستهدفة، والعمل على بث روح الولاء والوفاء والدفاع عن مقوماته والذود عن ترابه، والتأكيد على قيم الانتماء للوطن، وترسيخ أخلاقيات التضحية والفداء والوحدة الوطنية، والارتقاء بها فكراً وسلوكاً وممارسة، وبذل الغالي والنفيس من أجل رفعته وتطوره وتقدمه، وغرس قيم حب الوطن والتماسك بين أبنائه والتعاون فيما بينهم، وتحصينه من كل الأخطار الداخلية أو الخارجية التي يتعرض لها حاليا، أو التي قد تواجهه مستقبلا.
ويجب أن يتم ذلك كله من خلال استخدام رسائل إعلامية وإعلانية مختلفة تحمل مضامين مدروسة، ومفاهيم متميزة تستهدف الوصول إلى الأهداف المنشودة.
أهداف حملات المواطنة تعتبر أهداف أي حملة إعلامية من أهم مقومات الحملة وعناصرها، بل يمكن القول إنها المحور الرئيسي الذي تدور حوله الحملة. وكلما كانت هذه الأهداف واضحة جلية من جهة، ونبيلة سامية من جهة أخرى تحقّق للحملة النجاح المنشود.
ويقصد بالأهداف الأمور المرجو تحقيقها من الحملة، والغايات المراد الوصول إليها، ومن هنا وجب وضع أهداف محددة وواضحة لأي حملة إعلامية لتكون قابلة للقياس في المستقبل.
ومن الضرورة بمكان في الحملات التي تستهدف تعزيز قيم المواطنة إدراك القائمين عليها أن أهداف هذه الحملات ترمي إلى التوعية والتعريف والتذكير والتغيير، ولاتكتفي بزيادة الوعي العام حول قضية المواطنة، لذا يجب وضع خطة عامة للحملة وفق هذه الأهداف المنشودة.
ويمكن تحديد أهم أهداف حملات المواطنة بالأمور التالية:
– تعزيز قيم المواطنة والولاء والانتماء للوطن.
– غرس قيم الوفاء والتضحية والفداء للوطن.
– التأكيد على أهمية الهوية الوطنية وتعزيزها.
– تعزيز التماسك بين شرائح المجتمع بما يعزز لحمة المجتمع ونسيجه الاجتماعي.
– الحث على الالتزام بالأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة.
– تشجيع العمل الفردي والجماعي في كل ما من شأنه بناء الوطن ورفعته وازدهاره.
– الابتعاد عن كل ما يجنب المجتمع مظاهر الصراع القيمي.
– استذكار صور ماضي الوطن وأمجاده وحضارته وتاريخه، والأخلاق والقيم المجتمعية الأصيلة التي كانت سائدة لدى الآباء والأجداد في ذلك الزمن.
وسائل الاتصال الجمعية والشخصية
تتميز وسائل الاتصال بقدرتها على توصيل الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص في أكبر حيز جغرافي، وتشمل بصورة رئيسية وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة وبصورة خاصة الراديو والتلفزيون والصحف والمجلات إضافة إلى مواقع الإنترنت والمنتديات والرسائل الهاتفية القصيرة. ويشمل ذلك أيضا وسائل الإعلان الموجهة إلى الجمهور مثل المنشورات واللافتات والملصقات.
وهنالك ما يعرف بوسائل الاتصال الجمعي، وهذه الوسائل تستخدمها الحملات التي تستهدف تعزيز قيم المواطنة والإعلاء من شأنها، وتخاطب من خلالها جمهورا محدودا في مكان معين، لكن تتسم بأنها أكثر تركيزا من حيث المعلومات والجمهور، باعتبارها تخاطب جمهورا ذا مستوى ثقافي أو دراسي معين أو ميول متشابهة، أو ذا أعمار متقاربة.
ومن أمثلة هذه الوسائل الندوات العامة في المدارس والأسواق وأمكنة التجمع المختلفة إضافة إلى النوادي والمساجد. ويشارك في تقديم هذه الندوات شخصيات اجتماعية متخصصة وأخرى مألوفة لدى المجتمع ومحببة إليه لتكون توجيهاتهم أشد وقعا وأكثر تأثيرا.
وتلجأ الحملات أيضا إلى وسائل الاتصال الشخصي التي تتسم بقدرة كبيرة على التأثير وإحداث التغيير المطلوب، لكنها تقدم لجمهور محدود جدا، بصورة تقارب اللقاء الشخصي الفردي بين شخص وآخر أو شخص رئيسي وعدد صغير من الجمهور المتلقي.
وهذه الوسائل يمكن استخدامها في عدد من أمكنة العمل، وبعض التجمعات الصغيرة، والجمعيات المتخصصة، إضافة إلى استخدامها مع عدد من صناع القرار ومتخذي الرأي في القطاعين العام والخاص وجمعيات النفع العام والجهات التي تسعى إلى العمل في مجالات معينة بصورة لا تستهدف الربح.

عن مدير الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*