الرئيسية » المقالات » احنه مشينه ، مشينه للحرب

احنه مشينه ، مشينه للحرب

هذا المقطع هو من انشودة وطنية اعتادت عليها اسماعنا اثناء الحرب مع ايران في ثمانينات القرن الماضي ، وصرنا نرددها بمناسبة ودون مناسبة لجمال ومعاني كلماتها .. كما تعتاد أسماعنا على سماع كذب السياسيين في الحكومة ومجلسها النيابي في الوقت الحالي ، فالكذاب يعتاد على الكذب ، فيصبح ذلك ديدنا له ، فهو لا يستريح ولا تطمئن نفسه إلا اذا كذب ..
وقرءنا أن المرحوم الشاعر جميل صدقي الزهاوي كان يبلغه دائما ان صديقه الاستاذ احمد حامد الصراف يذم شعره ، فإذا لامه على ذلك انكر الصراف ما ينسب إليه فكان الزهاوي يغتاظ منه ويسميه بؤرة الكذب ، وروى الصراف انه سافر بصحبة الزهاوي الى ايران في عشرينيات القرن الماضي ، ضمن وفد للاحتفال بمرور الف عام على الفردوسي ، وكان الزهاوي رئيس الوفد ، والقى في الحفل قصيدة بالفارسية حازت اعجاب الحاضرين ، حتى ان وزير المعارف الايراني لم يتمالك نفسه ، فنهض من مكانه وتقدم الى الزهاوي فقبل يده ، وعندما انفضّ الحفل التفت الزهاوي الى الصراف وقال : يا ولدي احمد ، انك قد رأيت وزير المعارف وهو يقبل يدي ، فأسألك بالله لا تكذب علي اذا رويت ذلك في بغداد ، هذا هو ديدن الكذب والكذابين ، فلا يتصور احد مثلا ان قدرة خارقة ستهبط على أعضاء مجلس النواب ويبروا بالوعود التي قدموها الى الناس خلال الحملة الإنتخابية ..
لقد اصبح الكذب سمة للسياسيين في العراق فهو ملازم لهم منذ انبثاق العملية السياسية فيه بعد الاحتلال ، ومن المؤكد ان الكثيرين من سياسيي أيامنا هذه اهتدوا وعرفوا من اين تؤكل الكتف ، فصاروا كلهم يخرجون على الناس بوعود كاذبة ومن ثم يعزفون على وتر فاقة الشعب وحاجاته ، في حين ان كل شيء بات قابلا للسقوط من المدرسة التي اصبح الطالب فيها سيد الموقف وأصبح المدرس يتكفى شر اولياء الامور ، وجلسات الفصل العشائري ، الى المستشفى الذي صار معه الصداع مرضا مستعصيا لان مذاخر الادوية دون رقابة ، الى المدن التي تبدلت معالمها فصارت تعج باللصوص والقتلة ، الى دوائر الحكومة وما فيها من فساد ومفسدين.
ان الكذب مرض اجتماعي خطير ، ونتيجة لخطورته اخترعت المجتمعات طرقا عديدة لمعالجته والقضاء عليه ، وربما يئس البعض منها فصنع اجهزة لكشفه وفضح صاحبه ، وليت شعري لو ان العراق استورد مع صناديق الاقتراع التي يعجز ان يصنعها بأيدي ابنائه المقترعين بعض اجهزة كشف الكذب هذه وعرض مرشحي الكتل عليها ، ربما استطعنا ان نزيح عن التجربة الآتية بعض الكذابين والافاكين ، ولكن للأسف لان العراق ابتلى بهؤلاء فلا مفر من مزيد من الكذب معهم ، ومع هذا اي مع عدم وجود اجهزة كشف الكذب كان الاجدر بالفضائيات والصحف ان تضع فوق صورة كل مرشح عبارة بسيطة علّه حين يراها يثوب الى رشده ويترك المرض الاجتماعي الخطير ، عبارة بسيطة : (لا تكن كذابا)، وهذا اضعف الايمان ولكنه ربما ينفع بعض الشيء فيثني الكثيرين عن مواصلة الطريق مع الكذب ، وللأسف فان البعض يكذب ويكذب ثم يكذب حتى يصدقه الناس ، لان الاذن عضو يعتاد الاشياء وينقلها الى الحواس الاخرى فتردده ببساطة كبيرة ، ومن كثرة ما استمعت الى اناشيد الحرب ابان الثمانينيات صرت اردد في اوقات خلوتي في الحمام وسواه : احنه مشينه ، مشينه ، للحرب ، عاشك يدافع من اجل محبوبته ، محبوبته ، واحنه مشينه للحرب ، هذا العراقي العراقي من يحب ، يفنه ولاعايل يمس محبوبته محبوبته ، هذا العراقي من يحب.

عن مدير الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*